القاضي عبد الجبار الهمذاني

180

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فما الّذي يمنع أن يدخل في جملة شرائعهم ما يتصل بالحدود والأحكام أن يختص بذلك أحدهما دون الآخر ؟ وكما يجوز ذلك فقد يجوز أن يكون في تعبد اللّه سبحانه في ذلك الوقت أو لا يجوز للرسول أن يستخلف فيما هذا حاله في حال حياته ولا بعد وفاته ، أو يجوز له أن يستخلف في حال دون حال ، أو من يشركه في النبوة دون من لا يشركه . فعلى هذا الوجه يجب أن يجرى القول في هذا الباب ولا يجعل لعلى من المنازل إلا ما / أثبت معلوما لهارون من موسى دون ما لم يثبت . فإذا لم يعلم كيف كانت شريعة موسى في الاستخلاف ، وهل كان يجب أن يستخلف في حال حياته ؟ أو بعد موته ؟ في كل شيء ، أو في بعض الأشياء ؟ وأنه لو مات قبل هارون ، هل كان يجب أن يكون خليفته ؟ أو يبعث إليه نبيا يقوم مقامه مع هارون ؟ أو يصير القيم « 1 » بالحدود غير هارون ممن ينص عليه ، إلى غير ذلك من الوجوه المختلفة . فكيف يصح للقوم أن يعتمدوا على ذلك في الإمامة ؟ وبعد فإن وجود الشيء لا يقتضي وجوبه ، بل كان لا يمتنع أن يكون مخيرا إن شاء استخلفه وإن شاء استخلف غيره ، أو جمع بين الكل ، أو جعل الأمر شورى ، ليختار صالحو أصحابه من يقوم بالحدود والأحكام . وإذا كان كل ذلك يجوز عندنا ، فكيف يصح الاعتماد عليه في وجوب النص على الوجه الّذي يذهبون إليه ؟ فإنما يوصف الاستخلاف بأنه منزلة متى وجب لسبب ، فأما إذا وقع بالاختيار على وجه كان يجوز أن لا يحصل ، ويجوز خلافه ، فلا يكاد يقال إنه منزلة . وكيف يدخل ما يجرى هذا المجرى تحت الخبر ؟ وكل ذلك يقوى أن المراد بالخبر ما ذكرناه .

--> ( 1 ) كذا في الأصل ولعلها ( القائم )